السيد محمد تقي المدرسي
345
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
فيها تقوى الله ، وحشوها الايمان " ( وحشوها : اي مع ما يحشى فيها وتملأ منها ، والشراع ككتاب : الملاءة الواسعة فوق خشبة تصفقها الريح فتمضي بالسفينة ، والقيم : مدبر امر السفينة . " آت " ) . وشراعها التوكل وقيمها العقل ، ودليلها العلم ، وسكانها الصبر . يا هشام إن لكل شيء دليلًا ودليل العقل التفكر ، ودليل التفكر الصمت ، ولكل شيء مطية ومطية العقل التواضع ( المطية : الناقة التي يركب مطاها اي ظهرها ، ومطية العقل التواضع اي التذلل والانقياد ) ، وكفى بك جهلا ان تركب ما نهيت عنه . يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله ، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة ، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا ، وأكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة . يا هشام إن لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة ، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) ، وأما الباطنة فالعقول . يا هشام إن العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره ، ولا يغلب الحرام صبره . يا هشام من سلط ثلاثاً على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله : من أظلم نور تفكره بطول امله ، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه ( والسبب في ذلك ان بطول الامل يقبل إلى الدنيا ولذاتها فيشغل عن التفكر ، أو يجعل مقتضى طول الامل ماحيا لمقتضى فكره الصائب ، والطريف : الامر الجديد المستغرب الذي فيه نفاسة ، ومحو الطرائف بالفضول اما لأنه إذا اشتغل بالفضول شغل عن الحكمة في زمان التكلم بالفضول ، اولانه لما سمع الناس منه الفضول لم يعبأوا بحكمته اولانه إذا اشتغل به محى الله عن قلبه الحكمة " آت " ) وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه ، فكأنما أعان هواه على هدم عقله ، ومن هدم عقله ، أفسد عليه دينه ودنياه . يا هشام كيف يزكو ( الزكاة تكون بمعنى النمو ، وبمعنى الطهارة وهنا يحتملها " آت " ) ، عند الله عملك ، وأنت قد شغلت قلبك عن امر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك . يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل ، فمن عقل عن الله ( اي : حصل له معرفة ذاته وصفاته واحكامه وشرائعه أو أعطاه الله العقل أو علم الأمور بعلم ينتهي إلى الله بأن يأخذه عن أنبيائه وحججه عليهم السلام اما بلا واسطة أو بواسطة ، أو بلغ عقله إلى درجة يفيض الله علومه